إضافة رد
كاتب الموضوع
slaf elaf عضو متألق
www.yzeeed.com
وفاة السلطان سليمان القانوني



حصار سيچيتوار، والحملة الهمايونية الثالثة عشرة، ووفاة سليمان القانوني: (1566م)

في يوليو 1564م تُوفِّي حاكم النمسا فرديناند الأول، وورثه -وكذلك ورث عرش الإمبراطورية الرومانية المقدَّسة- ابنه الإمبراطور ماكسيميليان الثاني[1] Maximilian II. كانت النمسا تمرُّ بظروفٍ اقتصاديَّةٍ صعبة، وكانت الموارد الماليَّة محدودة، وكان أعظمها يأتي من الجزء الذي تحكمه النمسا من المجر. أراد الإمبراطور في أواخر عام 1565م أن يُوسِّع من دائرة سيطرته على المجر، مستغلًّا اضطراب الدولة العثمانية بعد فشل حصار مالطة، فنظَّم حملاتٍ عسكريَّةً على الأراضي العثمانية[2].

استولى النمساويون على مدينة توكاي Tokaj في الشمال؛ بل وطالبوا الدولة العثمانية بتسليم بعض المدن الأخرى لهم[3]. ردَّت الدولة العثمانية بنشاط عسكري ضدَّ النمسا على الحدود بين كرواتيا (التابعة للنمسا) والبوسنة (التابعة للدولة العثمانية). أعلن الإمبراطور ماكسيميليان الثاني الحرب رسميًّا على الدولة العثمانية، وردَّ السلطان سليمان القانوني بإعلانٍ مماثل. قرَّر السلطان سليمان القانوني في بدايات عام 1566م توجيه حملةٍ كبرى إلى شمال المجر والنمسا[4]. يبدو لي من الإعدادات التي اتُّخذت في هذه الحملة الكبيرة أنها كانت متوجِّهة إلى ڤيينا ذاتها! كان الجيش في أقلِّ التقديرات يصل إلى مائة ألف مقاتل[5].

ليس هذا فقط؛ ولكن قرَّر السلطان أن يخرج بنفسه على رأس الجيش! كان هذا قرارًا مفاجئًا للجميع لأكثر من سبب؛ فالسلطان أولًا لم يخرج في حملات همايونيَّة منذ عودته من حملة إيران عام 1555م؛ أي منذ أحد عشر عامًا، وثانيًا بلغ السلطان في هذه السنة عامه الثاني والسبعين، وثالثًا أنه كان يُعاني من نوبةٍ شديدةٍ من نوبات النقرس للدرجة التي لا يستطيع فيها المشي، فكان يُحْمَل على محفَّةٍ للانتقال به من مكانٍ إلى مكان[6].

مع كلِّ هذه الظروف الصعبة قرَّر السلطان أن يخرج بنفسه لقتال النمسا؛ بل واصطحب معه الصدر الأعظم محمد صوقللو باشا[7]؛ ممَّا يعني تسخير إمكانات الدولة كلِّها لهذه العمليَّة، ولا يكون ذلك إلا لحملةٍ موجَّهةٍ لهدفٍ كبيرٍ أحسبه فتح ڤيينا. يُعَضِّد ذلك رؤية المسار العسكري للحملة، والذي اتَّجه غربًا من إسطنبول إلى بلجراد[8]، ومنها إلى قلعة سيچيتوار Szigetvár الصغيرة، والتي قد لا تُمثِّل أهميَّةً استراتيجيَّةً تتطلَّب توجيه هذه الحملة الضخمة لولا أنها على الطريق بين بلجراد وڤيينا (في المنتصف تمامًا بين المدينتين الكبيرتين).

كان السلطان القانوني قد حاول فتح ڤيينا مرَّتين قبل ذلك في عامي 1529، و1532؛ ولكنَّه لم ينجح في ذلك. لعله أراد أن يتمَّ هذه الخطوة قبل موته، ولعله أراد كذلك أن يُحقِّق خطوةً حاسمةً ضدَّ إمبراطورية النمسا تكفل الاستقرار لابنه سليم من بعده، خاصَّةً وأنه يعلم أن إمكاناته العسكريَّة والقياديَّة ليست على المستوى المطلوب. يلفت النظر بقوَّة في هذه الحملة الروح الجهادية العالية للسلطان المـُسِنِّ، والذي يخرج للحرب وهو في هذه الحالة المرضيَّة الصعبة، وهناك إرهاصاتٌ -كما يُشير أوزتونا- إلى أن السلطان كان يشعر أنه لن يعود من هذه الحملة[9]. أحسب أن ذلك من حُسْن الخواتيم!

خرجت الحملة من إسطنبول أواخر أبريل 1566[10]، ووصلت إلى ضواحي بلجراد في 27 يونيو. استقبل السلطان الملك المجري التابع له چون الثاني، والذي طلب أن يمنحه السلطان أرضًا إضافيَّةً بالقرب من ترانسلڤانيا، وقد وافق السلطان على طلبه، وأحسن استقباله. أرسل السلطان مقدِّمة قوَّاته برئاسة الصدر الأعظم إلى سيچيتوار، فوصلت إليها في الثاني من أغسطس، ولحق السلطان بالقوَّات في الخامس من الشهر نفسه[11]. كانت القوَّة المدافعة عن القلعة صغيرة. إنها فرقةٌ من ألفين وثلاثمائة جندي كرواتي ومجري تحت قيادة الكرواتي الكونت نيكولا زرينسكي Count Nikola Zrinski، وهو قائدٌ محترفٌ له تاريخٌ طويلٌ في العسكريَّة[12]. لم يكن العدد القليل للحامية مقلقًا لهذا القائد؛ لأن القلعة كانت في منتهى الحصانة؛ ولذلك قرَّر الدفاع عنها على الرغم من ضخامة الجيش العثماني.

بدأ الحصار؛ ومِنْ ثَمَّ القصف، من يوم 6 أغسطس. كان القتال دمويًّا بشكلٍ كبير. صمدت القلعة طويلًا على الرغم من القصف المستمر[13]. كان السلطان يُتابع الأخبار من خيمته المنصوبة على تلٍّ قريب يُعْرَف بتلِّ سيميليهوڤ[14] Similehov hill. بدأت أعداد المدافعين عن القلعة تتناقص تدريجيًّا مع القصف؛ ولكن هذا كان على حساب أكثر من عشرين ألف شهيد[15]! وصلت بعض التقديرات بالشهداء إلى خمسةٍ وثلاثين ألفًا[16]! كان من الواضح أن إسقاط القلعة أمرٌ ضروريٌّ لا يمكن التنازل عنه، وأحسب أن هذا دليلٌ آخر على أن الهدف النهائي للحملة كان الوصول إلى ڤيينا ذاتها.

سقطت الحصون الخارجيَّة للقلعة تقريبًا في الخامس من سبتمبر[17]. وصلت الأخبار السعيدة للسلطان بأن الفتح صار حتميًّا؛ حيث انسحبت بقايا المدافعين عن الأسوار إلى القلعة الداخليَّة الصغيرة. ومع وصول هذه الأنباء؛ ومع سروره بالفتح الوشيك، صعدت روحه إلى بارئها في آخر ساعات يوم 6 سبتمبر[18]، أو في أوَّل ساعات الصباح من 7 سبتمبر[19]؛ لتنتهي بذلك حياة «العظيم» الذي قضى من عمره أكثر من عشر سنوات خارج إسطنبول في حملاتٍ عسكرية، وشاء الله أن تخرج روحه في ساحة الجهاد على الرغم من مرضه المقعد.

رثاه المؤرِّخ الإنجليزي اللورد كينروس عندما سَجَّل لحظة وفاته فقال: «هذا هو السلطان سليمان القوي، الذي وسَّع حدود دولته وأمَّنها. سليمان المشرِّع الذي أرسى قواعد العدل والحكمة من خلال مؤسَّساته المستنيرة وحكومته القويَّة. سليمان السياسي المحنَّك الذي احتلَّ مكانةً عظيمةً في العالم بأسره، وهو السلطان العاشر في سلسلة سلاطين آل عثمان، الذي نجح في أن يصل بالدولة إلى ذروة العظمة والقوَّة»[20]!

سقطت القلعة الداخلية في 8 سبتمبر[21]، وفُتِحَت بذلك سيچيتوار، وقُتِل نيكولا زرينسكي[22]، وحقَّق العثمانيون النصر؛ ومع ذلك، وبسبب موت السلطان، أعلن الصدر الأعظم الانسحاب، والعودة إلى إسطنبول. أخفى الصدر الأعظم خبر موت السلطان عن الجيش لكيلا يحدث اضطراب يُضَيِّع مكاسب المعركة[23]. سيطر الجيش العثماني على مدينة بابوكسا Babócsaالقريبة[24]، وأرسل من فوره رسالةً إلى الأمير سليم ابن السلطان سليمان في كوتاهية للقدوم إلى بلجراد لاستقبال الجيش في عودته، وإعلانه سلطانًا جديدًا للبلاد. دُفِنَت أحشاء السلطان في مكان موته، وحُمِلَ الجسد ليُدفن في مسجد السليمانية بإسطنبول[25]؛ لتنتهي بذلك القصَّة الطويلة لهذا السلطان العظيم: سليمان القانوني!


[1] Potter, Philip J.: Monarchs of the Renaissance: The Lives and Reigns of 42 European Kings and Queens, McFarland & Company, Inc., Publishers, Jefferson, North Carolina, USA, 2014., p. 337.
[2] Bradford, James C.: International Encyclopedia of Military History, Routledge, New York, USA, 2006., p. 142.
[3]Clot, André: Suleiman the Magnificent: The Man, His Life, His Epoch, Editor: Jana Gough, Translated: Matthew J. Reisz, Saqi Books, London, 1992, p. 181.
[4] فريد، محمد: تاريخ الدولة العلية العثمانية، تحقيق: إحسان حقي، دار النفائس، بيروت، الطبعة الأولى، 1401هـ=1981م.صفحة 250.
[5] Chisholm, Hugh & Garvin, James Louis: The Encyclopædia Britannica: A Dictionary of Arts, Sciences, Literature & General Information, Cambridge University Press, Cambridge, UK, Eleventh Edition, 1911., vol. 27, p. 448.
[6] Turnbull, Stephen R.: The Ottoman Empire, 1326-1699, Osprey Publishing Ltd, New York, USA, 2003., p. 55.
[7] Sakaoğlu, Necdet: Bu Mülkün Sultanları: 36 Osmanlı Padişahi (in Turkish), Oğlak Yayıncılık ve Reklamcılık, 2001., p. 140.
[8] Turnbull, 2003, p. 55-56.
[9] أوزتونا، يلماز: تاريخ الدولة العثمانية، ترجمة: عدنان محمود سلمان، مراجعة وتنقيح: محمود الأنصاري، مؤسسة فيصل للتمويل، إستانبول، 1988 صفحة 1/352.
[10] فريد، 1981 صفحة 250.
[11] Turnbull, 2003, pp. 55-56.
[12] Wheatcroft, Andrew: The Enemy at the Gate: Habsburgs, Ottomans, and the Battle for Europe, Pimlico, London, UK, 2009, pp. 59-60.
[13] Coppée, Henry: The United States service magazine, Charles B. Richardson, New York, vol. 2, 1864,, vol. 2, pp. 562-565.
[14] Sakaoğlu, 2001, pp. 140-141.
[15] Lieber, Francis: Encyclopædia Americana: A popular Dictionary of Arts, Sciences, Literature, History, Politics, and Biography, Lea and Blanchard, Philadelphia, 1845., vol. 13, p. 345.
[16] Shelton, Edward: The book of battles: or, Daring deeds by land and sea, Houlston and Wright, London, UK, 1867, p. 83.
[17] أوزتونا، 1988 صفحة 1/353.
[18] Turnbull, 2003, p. 57.
[19] أوزتونا، 1988 صفحة 1/353.
[20] كينروس، چون باتريك: القرون العثمانية قيام وسقوط الإمبراطورية التركية، ترجمة وتعليق: ناهد إبراهيم دسوقي، منشأة المعارف، الإسكندرية-مصر، 2002م.صفحة 281.
[21]جرامون، ﭼان – لوي باكي: أوج الامبراطورية العثمانية: الأحداث (1512-1606)، ضمن كتاب: مانتران، روبير: تاريخ الدولة العثمانية، ترجمة: بشير السباعي، دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع، القاهرة–باريس، الطبعة الأولى، 1993م. صفحة 1/230.
[22] Shelton, 1867, p. 83.
[23]سرهنك، إسماعيل: حقائق الأخبار عن دول البحار، المطابع الأميرية، بولاق، مصر، الطبعة الأولى، 1312هـ=1895م.صفحة 1/555.
[24] Petrić, Hrvoje: «Nikola IV. Šubić Zrinski: O 450, obljetnici njegove pogibije i proglašenju 2016, «Godinom Nikole Šubića Zrinskog»، Hrvatska revija, Matica hrvatska, Zagreb, Volume 3,, 2017, pp. 29-33.
[25] أوزتونا، 1988 صفحة 1/353.

دكتور راغب السرجاني: قصة الدولة العثمانية من النشأة إلى السقوط، مكتبة الصفا للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، 1442هـ= 2021م، 1/ 514- 517.


شارك هذا الموضوع
إضافة رد
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

almrsal
Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2021, vBulletin Solutions Inc.